كل الشكر و التقدير لاخي الحبيب و أستاذي الكريم الناقد و الشاعر الأستاذ Atik Akhouaji
و الذي اكرمني بقراءة تحليلية رائعة لنصي ( أتحيا الزهور )
===========
قراءة انطباعية سريعة في قصيدة "أتحيا الزهور؟"
للشاعر المصري عارف عاصي
بداية أعتذر لشاعرنا المبدع الكبير عارف عاصي عن تأخري عن إنجاز هذه القراءة المتواضعة لقصيدته التفعيلية بسبب بعض الظروف الخارجة عن إرادتي، وقد كان أرسلها إلي منذ أشهر خلت يسألني رأيي فيها وكنت قد وعدته بإنجاز قراءة نقدية لها وها أنا اليوم أفي بوعدي.
وهي فرصة أستغلها لتسليط بعض الضوء على هذا اللون الشعري الجميل الذي لا يحظى مع الأسف علي منتديات التواصل الإجتماعي بنفس الاهتمام الذي تحظى به أخته القصيدة العمودية رغم قيمة هذا الأول الفنية والجمالية العالية التي لا ينكرها إلا جاهل، وربما تكون الرابطة الشعرية العربية المنتدى الأدبي الوحيد الذي يفتح ذراعيه واسعتين لهذا اللون الشعري ويحتفي بكتابه البارعين، وقد سبق وأن كرم عددا لا بأس به من هذه الكوكبة المتميزة.
ـ
ـ
وعارف عاصي شاعر مصري لا أظن أن هناك من لا يعرفه من رواد المنتديات الشعرية والأدبية في هذا العالم الأزرق، وأسوق هنا ما قلته عنه في مقدمة قراءتي النقدية لأحد نصوصه التي فاز بها بأحد المراكز الأولى في مسابقة شاعر عكاظ بداية العام الماضي: "...هذا الرجل يا جماعة كتلة من النشاط، شلال شعري لا يكف عن الإنهمار، ما من سجال شعري يحمي وطيسه وتدق طبوله، إلا وتجده وسط المتبارين ممتطيا صهوة فرس قوافيه، شاهرا سيف حرفه مبْليا بلاء حسنا وغالبا ما يخرج من هذه السجالات بأوسمة ونياشين تقلد صدره، تسعفه في ذلك بديهة سريعة وقلم فياض وقريحة لا يعرف النضوب إليها سبيلا...هذا وللرجل كتابات غزيرة تتوزع بين الشعر والنقد والحوارات الأدبية وهو عضو بارز ونشيط في الطاقم الإداري المشرف على تسيير "ملتقى الألم والأمل" الذي يعد إلى جانب رابطتنا الشعرية العربية وثلاثة أو أربعة منتديات شعرية أخرى واحدا من بين المنتديات الشعرية الجادة التي تحظى على الفيس بشعبية وإقبال بين القراء والمتابعين والمبدعين على حد سواء..."...هذا عن الشاعر فماذا عن قصيدته التفعيلية...هاهي أضعها كاملة بين أيديكم:
أَتَـحْـيَـا الـزُّهُـورْ ؟؟!!!
ـــــــــــــــــ
وَقَـفْـتُ
لَـدَى الـقَـلْبِ عُـمْـراً طَـويـلاً
تَـلَـوْتُ عَـلَـيْهِ اِشْـتِعَـالَ الفُصُولْ
وَ كُـلُّ الجِهَاتْ
وَ خَلْفَ الضَّبَابِ الذِي قَدْ رَمَانِـي
وَحِـيداً بَـعِـيـدَا
تَـلَـوْتُ الـتَـرَانِـيمَ
لِحْـنـاً جَرِيـحاً
كَـكُـلِّ الطُّـيُورْ
رَجَوْتُ الـرَّبِيعْ !!!!
الوقوف
سَـمِـعْـتُ تَـهَاوِيمَ رِيـحٍ تَـعَـاوَتْ
بِـصَـوْتِ الجُـنُـونْ
فَـتَـنْـفُـثَ سِـحْـراً
يُـزيلُ الجِـبَـالْ
تَـبِـعْـتُ الطُّـيـُورَ
إِلَـى حَـيْثُ طَارَتْ
لأَعـْلَىَ الـمَـنَـالِ
وَ خَـلْفَ الـتِّـلالِ
اِمْـتَشَقْتُ الضِّيَاءَ سُيُـوُفـاً
وَ حَارَبْتُ كُلَّ الرِّيَـاحِ
الـلَّوَاتِي كَـظِـلِّ السَّوَادْ
وَ عِـنْـدَ الـبُّـكُورْ
أَعَدتُّ اِجْـتِرَارَ الأَمَانِي الْجِرَاحْ
*
وَقَـفْـتُ أُفَـتِّشُ خَلْـفَ السِّـنِـينْ
هُـنَـالِـكَ طِـفْـلٌ تَـنَـاجَىَ
بِـهَـمْـسِ الـبَـرَاءَةِ فِي اللازَمَانْ !!
يـُلاحِقُ كُلَّ الفرَاشِ وَ يَرْمِي
حِجَىَ الأُحْجِـيَاتْ
فَـلَمْ يَنْشَغِلْ فِي تَوَالِي الفُصُولْ
يَـهُـزُّ الجُـذُوعَ
بِـصَـبْر جَـمِيلْ
وَ يَمْتَشِقُ الحُبَّ سَيْفَ الوُصُولْ
يُـعِـيدُ الرَّبِـيـعَ
وَ زَهْـرَ الحُـقُولْ
وَ حَـيْثُ الْـبَـرَاءَةُ
مِثْلَ الفَرَاشَاتِ تَـلْهُو
بِذَاكَ الجَمِيلِ البَسِيطِ البَدِيـعْ
وَ حـَيْثُ السَّـنَابِلَ وَ الأُعْطِياتْ
وَ نَـهْـرٍ تَـأَنَّـى
يُرِتِّـلُ فَـيْضَ اِنْهِمَارِ السُّـطُوعْ
يُسَـبِّحُ للهِ فِي كُـلِّ حِـينْ
*
وَقَـفْـتُ
عَـلَى جُـنْـحِ ظِـلٍّ يَحُـولْ
وَ أَسْرَجْتُ خَـيْلَ الشُّمُوس الطُّـلُولْ...
وَ أَسْرَعْتُ أَرْكَبُ عُـنْفَ الأَمَـانِي
عَـلَى ظَـهْـرِ كُـلِّ مُحَـالٍ تَـرَائَـى
بِـصَـهْـوِ الـنَّـخِْيلِ
اِمْـتَـيْطتُ الرِّيَاحَ
لِـدَارِ الـخَـيَالْ
بَـلَغْتُ المُـنَى
وَ ابْـتَـلَـعْـتُ الـجِـرَاحْ
شَـمَـخْتُ بَـهِـيَّـا بِوَجْهِ الرِّيَاحْ
فَخَرّْتْ سُجُوداً
فَـعُـدتُّ لِـطِفْـلٍ
ذَوَى فِي زَمَانِي
أُدَاعِـبُ ذَاتِـي
وَ أُخْـرِجُ مِنْـهَا بُـذُورَ الـرَّبِـيـعْ
*
وَقَفْتُ
الأَعَـاصِيرُ تَـلْـوِي الـجَـنَـاحْ
وَ تَحْوِي الهُمُومَ مِنَ المُسْـتَحِـيلْ
وَ تُرْسلُ سَهْمَ المَنَايَا
تُـنَادِي الرَّحِيلَ الرَّحِيلْ
تُـعَـكِّـرُ صَفْوَ اللَّـيَـالِي
بِـنَشْرِ الخَـرَابِ
وَ تَرْقُصُ سَكْرَى
كَـأَفْعَى تَـلَـوَّتْ
تُـجَمِّعُ مـَكْرَ الحَنَايَا العَنِيدْ
وَ تُرْسِلُ سُودَ الطُيُورِ جـُيُوشاً
تَـدُكُّ حُصُونَ الجَمَالِ الأصِيلْ
قَرَأْتُ عَـلَيْهَا تَرَاتِيلَ نُـورٍ
بِـعُـمْـقِ الجَـرَاحْ
فَـزَادَ الفـَحِـيـحْ
وَ أَزَّتْ فُؤَادِي بِقَـتْـلِ الزُّهُـورْ
أَلا يَـا رِيَـاحَ الأَنِـينِ المُسَجَّىَ
بـِكُـلِّ الـجِـهَـاتْ
سَـآَتِـيـكِ حَـتْـماً
رَمَيْتُ العَصَا
فَابْـتَـلَـعْـتُ الأَفَاعِي
وَ عَـادَ الْخُـضُوعُ
بِـجَـمْـعُ الحُـوَاةْ
*
وَقَـفْـتُ
كَـشَمْـسٍ تُـنِـيـرُ الـدَّيَـاجِـي
وَ تَـمْحُـو البَـلايَا
تُـزِيـلُ الـسِّـتَـارْ
هُـنَا حَارَبَـتْـنِي
نُـسُـورُ الـبُـغَـاةِ
بِـبُـومٍ كَـئِـيـبْ
فَـزَادَتْ جِـرَاحٌ
وَ عَـمَّ الـنَّـزِيـفُ وَجُـوهَ الحَـيَـاةْ
رَأَيْتُ الـمِـيَاهَ بِأَنْـهَارِهَا
بِـعُـيْـنِـي اِسْـتَـحَـالَـتْ
دِمَـاءً دِمَـاءْ
وَطَـعْـمُ الـمَـيَـاةِ
أُجَـاجـاً أُجَـاجْ
وَ كُـلَّ الـدُّروُبِ بِرَهْـنِ اِعْوِجَاجْ
فَلَـمْ أُلْقِ بَـالاً لِـكُلِّ الـعُـتَـاةْ
رَمَـيْـتُ بِـقَـوْسِـي
نُجُـومَ الشَمَالْ
فَـهَـمَّتْ تُـنَـادي
اِرْتِـقَـابَ الـمُحَـالْ
الأمل واليأس
الفوز أو الخسارة
رَسَـمْـتُ الـطَّـرِيـقَ
بِـعَـهْـدٍ وَثِــيـقْ
أَنَـا وَ الـلَّـيَـالِـي
وَ عِـشْقُ المُحَـالْ
مُحَـالٌ تَـقَـرُّ بِنَـا الأُحْـجِـيَـاتْ
مُـحَـالٌ تَـمُـوُتُ بِـنَـا الأُمْـنِـيَـاتْ
لِــيَـبْـقَى الـسُّـؤَالْ
يُـنَادِي مَـلِـيَّـا بِـعُـمْـقِ الـظِّـلالْ
هُـنَـا الأُحْـجِـيَـاتُ
هُـنَـا الأُمْـنِـيَـاتُ
هُـنَـا اللا تَـنَـاهِي مِنَ المُغْرِيَـاتْ
هُـنَـا اللا ...
تَـلاشَتْ صُـنُـوفُ الـجِـيَـادْ
وَ عُـدْتُّ بِـخَـيْـلٍ
كَـسِـيـرٍ كَـلِــيـلٍ
يَـطُـوفُ عَـلَى الـرَّوْضِ
يَـخْـشَـى الـزَّوَالْ
يَـؤُزُّ بَـقَـايَا الـرَّبِـيـعِ الـمُـسَـجَّىَ
بِـهَـالاتِ شَـوْقٍ
تُـنَـاجِي الـكَـمَـالْ
تُـرَى يَـا بَـقَـايَـا الـرَّبِـيعِ الجَـمِـيلْ
أَتَـحْـيَـا الزُّهُـورْ ؟؟!!!
.
تتكون القصيدة من خمسة مقاطع كما رأينا، كل مقطع منها يبدأ بفعل "وقفت"، وعليه يمكن لنا اعتبار كل مقطع منها بمثابة وقفة.
المقطع الأول وقفة الشاعر مع النفس (وقفتُ لدى القلب)، يُثبِّتها ويعدّها لمجابهة القبح (الرياح السود المجنونة) ويحثها على التشبث بالأمل في غد جميل (اشتعال الفصول الربيع) لا شك آت.
المقطع الثاني وقفة الشاعر مع الذكريات، يستحضر فيها طفولته الموسومة بالبراءة والعنفوان واللهو في حضن الطبيعة، ويصف مرحلة الطفولة هذه "باللازمان"، لأنها مرحلة تقف خارج الزمن، يبقى تأثيرها فاعلا في شخصية الإنسان مدى الحياة.
المقطع الثالث وقفة يعلن فيها الشاعر مقارعته للرياح (النكبات) وتمكنه من إخضاعه لها (فخرت سجودا)، وفيها نجد الشاعر يستأنس بروح الطفل التي لا تزال رابضة في أعماق ذاته "ليستخرج منها بذور الربيع" (الأحلام والأمل والبراءة...) لمواجهة جفاف وقسوة الواقع.
فَـعُـدتُّ لِـطِفْـلٍ
ذَوَى فِي زَمَانِي
أُدَاعِـبُ ذَاتِـي
وَ أُخْـرِجُ مِنْـهَا بُـذُورَ الـرَّبِـيـعْ
المقطع الرابع وقفة تحد للأعاصير (بدأت رياحا واشتدت لتصبح أعاصيرَ) وكل ما تحيل عليه من خراب وإفناء وفساد، يُشْهر الشاعر في وجهها "تراتيل النور" (إحالة على آيات القرآن) و"عصاه" (التوكل على الله والإيمان به)؛ سلاحَه الذي يستعين به لابتلاع الأفاعي (المكر والفساد) وإخضاع كل الحواة (الماكرين المفسدين).
المقطع الخامس وقفة الثبات في وجه البلايا والصمود أمام جميع البغاة والعتاة...نجد الشاعر فيها لازال متشبثا بالأمل، في خضم المغريات الهائلة والعوائق الكثيرة، يرمي بقوسه "نجوم الشمال"، ورغم التعب والانكسار الذي نال من خيله، نجده لم يزلْ يطوف بها على الروض الذي يحتفظ ببقية ربيع...ليوجه الشاعر في نهاية قصيدته لهذا الربيع الجميل سؤالا حمّله مسحةً من التفاؤل رغم الواقع غير المشجع، وكأني بالشاعر يتوقع أن يكون الجواب بالإيجاب، فيقول:
تُـرَى يَـا بَـقَـايَـا الـرَّبِـيعِ الجَـمِـيلْ
أَتَـحْـيَـا الزُّهُـورْ ؟؟!!!
بداية لا بد لنا من الإشارة إلى أن هذا النص لا يقدم نفسه للقارئ بسهولة، بل القارئ مطالب بأن يظل يحومُ حوله مستقرئا ومتأملا ليتمكن من سبر أغواره والإحاطة بأبعاده.... إنه نص مشاكس وعصي، لا يتوجه إلى القارئ السلبي الذي اعتاد على أن لا تتجاوز قراءتُه عينينه وأذنيه.
في هذا النص المشاكس نعيش مع الذات الشاعرة وهي تخوض معركة تشبثها بالمبادئ والقيم في واقع قاس مليء بالإكراهات والتحديات والمثبطات، تتلبس اللغة فيه ذات الشاعر وتتماهى مع تجربته الشخصية، لتخلق لنا صورا تتقابل فيها التضادات، ويتصارع قطبا الخير والشر والصلاح والفساد والأمل واليأس:
سَـمِـعْـتُ تَـهَاوِيمَ رِيـحٍ تَـعَـاوَتْ
بِـصَـوْتِ الجُـنُـونْ
فَـتَـنْـفُـثَ سِـحْـراً
يُـزيلُ الجِـبَـالْ
ـ
اِمْـتَشَقْتُ الضِّيَاءَ سُيُـوُفـاً
وَ حَارَبْتُ كُلَّ الرِّيَـاحِ
الـلَّوَاتِي كَـظِـلِّ السَّوَادْ
وَ عِـنْـدَ الـبُّـكُورْ
أَعَدتُّ اِجْـتِرَارَ الأَمَانِي الْجِرَاحْ
*
ـ
وَقَفْتُ
الأَعَـاصِيرُ تَـلْـوِي الـجَـنَـاحْ
وَ تَحْوِي الهُمُومَ مِنَ المُسْـتَحِـيلْ
وَ تُرْسلُ سَهْمَ المَنَايَا
تُـنَادِي الرَّحِيلَ الرَّحِيلْ
تُـعَـكِّـرُ صَفْوَ اللَّـيَـالِي
بِـنَشْرِ الخَـرَابِ
وَ تَرْقُصُ سَكْرَى
كَـأَفْعَى تَـلَـوَّتْ
تُـجَمِّعُ مـَكْرَ الحَنَايَا العَنِيدْ
وَ تُرْسِلُ سُودَ الطُيُورِ جـُيُوشاً
تَـدُكُّ حُصُونَ الجَمَالِ الأصِيلْ
ـ
أَلا يَـا رِيَـاحَ الأَنِـينِ المُسَجَّىَ
بـِكُـلِّ الـجِـهَـاتْ
سَـآَتِـيـكِ حَـتْـماً
رَمَيْتُ العَصَا
فَابْـتَـلَـعْـتُ الأَفَاعِي
وَ عَـادَ الْخُـضُوعُ
بِـجَـمْـعُ الحُـوَاةْ
ـ
هُـنَا حَارَبَـتْـنِي
نُـسُـورُ الـبُـغَـاةِ
بِـبُـومٍ كَـئِـيـبْ
فَـزَادَتْ جِـرَاحٌ
وَ عَـمَّ الـنَّـزِيـفُ وَجُـوهَ الحَـيَـاةْ
رَأَيْتُ الـمِـيَاهَ بِأَنْـهَارِهَا
بِـعُـيْـنِـي اِسْـتَـحَـالَـتْ
دِمَـاءً دِمَـاءْ
وَطَـعْـمُ الـمَـيَـاةِ
أُجَـاجـاً أُجَـاجْ
ـ
رَمَـيْـتُ بِـقَـوْسِـي
نُجُـومَ الشَمَالْ
فَـهَـمَّتْ تُـنَـادي
اِرْتِـقَـابَ الـمُحَـالْ
ـ
هذه الرؤية المفارقة تختزلها بنية الصراع الوجودي كما يصورها ويعرضها الشاعر أمام أعيننا على طول أبيات قصيدته، فنجد هذا الصراع قائما بين رمزين، الأول ذو بعد إيجابي، متمثل في الطيور والربيع والضياء والطفل والأماني وسيف النور والشمس، يوظفها الشاعر هنا رمزاً لكل ما هو خيّر وجميل وصالح. والثاني ذو بعد سلبي، متمثل في الرياح والعتاة والحواة والأفاعي والأعاصير، يوظفها الشاعر رمزا يحيل على كل ما هو شرير وقبيح وفاسد. وقد استطاع الشاعر وهو يوظف هذه المقابلات، في خمس لقطات أو وقفات مختلفة، أن يضفي مسحة سوداوية وفي نفس الوقت ديناميكية على هذا الصراع.
.
فنيا لاشك أن أول ما يلفت النظر في هذا النص التفعيلي هو التوظيف الطاغي للطبيعة وتحميل عناصرها دلالات نفسية وفكرية من خلال إسقاطات ذاتية بعد أن جردها شاعرنا من صورها الحسية.
وقد جاء النص طافحا بالاِستعارات والرمزية، ابتعد فيه الشاعر عن المباشرة والتقريرية كل الإبتعاد، وكل كلمة أو جملة فيه يمكن تقليبها على أكثر من وجه لاستخلاص أكثر من معنى واستنباط أكثر من تأويل. إننا هنا أمام نص حداثي بامتياز. ونلاحظ إقصاء الشاعر المتعمد لدور القافية التي لا يكاد القارئ يشعر بوجودها أصلا، وهو ما يجعل النص قريبا جدا من النثر في بنيته الظاهرية (الخارجية)، وقد اختار الشاعر له تفعيلة فعولن إطارا عروضيا، وتعتبر هذه التفعيلة إلى جانب تفعيلة فاعلن أكثر التفعيلات التي ينظم عليها شعراء التفعيلة المعاصرون قصائدهم، لسرعة إيقاعهما وسهولة التحكم فيهما واللعب في المساحة الإيقاعية الواسعة التي يوفرانها. نعم، لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال إغفال دور الوزن هنا باعتباره مكونا جماليا مُهِمّا، أو التغاضي عن ورود بعض قوافي الإرتكاز هنا وهناك، لكن ما أقصده هو أن الإشتغال الأساسي في هذا النص كان على المعنى ورسم الصورة أكثر منه على الوزن أو القافية، إنها قصيدة تتوجه إلى العقل أساسا قبل الأذن والقلب.
وأشير في الختام إلى أن لشاعرنا القدير عارف عاصي قصائد تفعيلية أجمل وأقوى بكثير من هذه التي تناولناها بهذه الورقة المتواضعة هنا، وأدعو من يحب الإطلاع على إبداعاته سواء التفعيلية أو العمودية أن يدخل إلى زاويته على موقع بوابة الشعراء فسيجد فيها حتما ما لذ وطاب...
ـــ
عتيق أخواجي
تعليقات
إرسال تعليق