بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، و أفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين 

أما بعد : 

فهذه المحطة العروضية السادسة و الأخيرة من علم القوافي ، و سنتناول فيها عيوب القافية. للقافية عيوب كثيرة سنذكر أهمها ، و إن سألنا سائل : لماذا لم تذكروا الإكفاء و الإجازة و تمثّلوا عليهما بأمثلة ؟ قلنا : على الرغم من انحطاط الشعر في زمننا هذا إلا أن الشعراء لا يقعون في هذين العيبَين ، و ربما يُحملان على الشواذ ! و هما عيبان يتعلقان باختلاف حرف الروي بين حرفين متجانسين متقاربين في المخرج بين بيت و آخر مثل : قافيتي اللام و النون و هذا هو الإكفاء ، أو بين حرفين متباعدين في المخرج بين بيت و آخر مثل : اللام و الميم ، و هذا هو الإجازة  ! فهل يعقل في هذا العصر أن يكتب الشاعر قصيدة ثم يكون لديه إكفاء على سبيل المثال بين رويَّين  : الليلُ و الدينُ أو إجازة بين رويَّين : قليلُ و ذميمُ ! بمعنى يكون روي الشاعر لاماً فيحولها نوناً في البيت التالي !   لذلك هذا خاص بالقدماء ، ووارد على الشواذ و لا يجوز وروده مطلقاً ! 

أما الإقواء و الإصراف فيمكن للشاعر المحدث أن يقع فيهما ، الأول : الإقواء هو تغير حركة الروي من كسرة إلى ضمة و بالعكس من ضمة إلى كسرة ، أي هو خاص بالكسرة و الضمة ، و قد وقع فيه النابغة الذبياني حيث قال : سقطَ النصيفُ و لم تُرِد إسقاطه ... فتناولته و اتّقتنا باليدِ ... بمخضّبٍ رخصٍ كأنّ بنانه ... عنَمٌ يكادُ من اللطافة يُعْقَدُ ! النصيف : الغطاء . المخضّب : كف اليد المحنّى . رخصٍ : ناعم . بنانه : أصابعه . عنم : شجر ذو أغصان لينة .الروي في البيت الأول دال مكسورة ! أما في البيت الثاني دال مضمومة ! و هذا هو الإقواء . أما الإصراف فهو خاص بفتح و غيره أي أن يكون روي الشاعر مفتوحاّ فيجعله مضموما أو مكسوراً مثل قول الشاعر : ألم ترني رددتُ على ابنِ ليلى ... منيحتَه فعجّلتُ الأداءَ ... و قلتُ لشاته لما أتتنا ... رماكِ اللهُ من شاةٍ بداءِ . الروي في البيت الأول : همزة مفتوحة ! و في البيت الثاني : همزة مكسورة و هذا هو الإصراف !

الإكفاء و الإجازة عيبان يتعلقان باختلاف حرف الروي ، أما الإقواء و الإصراف فهما عيبان يتعلقان باختلاف حركة الروي ، و الآن نتطرق إلى عيوب ما قبل الروي و هي مهمة جداً و تعرف بالسّناد ؛ خرج القوم متساندين أي متفرقين في فِرق لا متعاونين ، و هي خمسة أنواع : سناد الردف . سناد التأسيس . سناد الإشباع . سناد الحذو . سناد التوجيه .

١ - سناد الردف : و هو أن يكون أحد البيتين مردوفاً و الثاني غير مردوف مثل الأول القافية : العيدُ . الثاني القافية : الزهدُ . و الردف حرف مد أو لين قبل الروي و هنا الروي دال مضمومة و الردف هو الياء قبل الروي في كلمة العيد بينما خلت كلمة الزهد من الردف و هذا ما يسمى بسناد الردف و هو عيب من عيوب القافية!

٢ - سناد التأسيس : و هو أن يكون أحد البيتين مؤسساً و الثاني غير مؤسس مثل القافية في البيت الأول :  طالعُ . و القافية في البيت الثاني : مطلعُ . و التأسيس ألف يفصل بينه و بين الروي بحرف متحرك يقال له الدخيل .

٣ - سناد الإشباع : الإشباع حركة الدخيل ، و الدخيل حرف من حروف القافية واقع بين ألف التأسيس و الروي ، و سناد الإشباع هو اختلاف حركة الدخيل بين بيت و آخر مثلاً قافية الشاعر مؤسسة : سالِمُ . نائِمُ . عالِمُ ، ثم وردت إحدى قوافيه مثلاً : تقادُمُ فهي مؤسسة و لكن اختلفت فيها حركة الدخيل فصارت مضمومة و هي الدال المضمومة بعد أن كانت مكسورة في سالِمُ . نائِمُ . عالِمُ و هذا ما يعرف بسناد الإشباع !

٤ - سناد الحذو : الحذو هو الحرف الذي يسبق الردف ، و الردف هو حرف مد أو لين يسبق الروي ، و سناد الحذو هو اختلاف حركة الحرف الذي قبل الردف ،  مثلاً قافية الشاعر دِينُ ثم جاءت دَينُ أو كانت عَينُ ثم جاءت طِينُ ! هذا الاختلاف في حركة الحرف الذي يسبق الردف ( الياء الساكنة ) بين كسر و فتح يعرف بسناد الحذو ، لكن الحذو الوارد في الشعر و المسموح به في القصيدة الواحدة هو الواو المضموم ما قبلها ، و الياء المكسور ما قبلها مثل : حنين . ظنون . طويل . محمول !

٥ - سناد التوجيه : التوجيه هو حركة الحرف الذي يسبق الروي المُقيّد أي الساكن ! و سناد التوجيه هو اختلاف حركة هذا الحرف الذي يسبق الروي الساكن مثلاً قافية الشاعر الساكنة : ينصُرْ . يأمُرْ . ثم جاءت : يصبِرْ . يصهَرْ . فحركة التوجيه كانت ضمة في ينصُرْ . يأمُرْ ثم تغيرت إلى كسرة في يصبِرْ ، و إلى فتحة في يصهَرْ ، و هذا ما يسمى بسناد التوجيه

بقي عيبات يتعلقان بكلمة الروي ، الأول : المواطأة و تعني الموافقة و هي أن تتوافق كلمة الروي و تتكرر في بيتين ما لم تفصل بينهما سبعة أبيات ، و الثاني يدعى التضمين : و يعني ألا يستقل البيت بذاته بل يرتبط عَجُزه بصدر البيت الذي بعده ، و كأن البيت الثاني قد تضمّن معنى البيت الأول نحو قول النابغة الذبياني : و هم وردوا الجفار على تميم ... و هم أبناءُ يوم عكاظَ إنّي ... شهدتُ لهم مواطنَ صادقاتٍ ... شهدْنَ لهم بصدقِ الوُدِّ منّي . و هذا ما يدعى بالتضمين ، و هو عدم استقلالية البيت الأول عن الثاني ، و بذلك تكون قد اكتملت عيوب القافية . بارك الله فيكم ، و السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

علم القوافي . المنشور السادس ٦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة