قـراءة شـاعـرة 
***********
هو برنامج غير نقدي لا يفتح النص إلا للوقوف على جمالياته والخروج عن نمطية الرد المقتضب و إعطاء المبدع شيئا من حقه
*****************
قراءة اليوم :-
لقصيد " لَـعَـلَّ كِـسْـرَةَ خُـبْـزٍ "

لشاعرنا الكبيرالأستاذ 
 " يحي عبدالعزيز "
***********************
مستعنين بالله نبدأ القراءة
القصيدة جاءت على البحر البسيط بتفعيلاته الرباعية المتداخلة "مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن"
و هو بحر جميل رحب و يحمل مرادات الشاعر حيثما يشاء
و جاءت قافية السين المردوفة بالألف وافية و موافقة تماما للحالة الشعورية 
القصيدة جاءت في ثمانية أبيات لكنها روح تمور و صرخة مدوية على واقع مأزوم 
و من لمثل هذا الواقع غير الشاعر الذي يعيش بشعوره و قلبه روحا حية نابضة 
ربما يقلقه ما لا يراه غيره او يستصغره غيره 
ولذا فالشعر شعور قبل ان يكون عروضا و نحوا ولغة 
و الشاعر أمين على هذا الشعور
==================
خلفي,
أمامي,
إزائي,
كلُّهم بُؤَسا
فكيفَ أَمْتدحُ الطَّاغينَ والرُّؤَسا

مِنْ قبلِ أسبوع 
أُمِّي لمْ تجدْ 
حطباً
لتُوقدَ النارَ أَخشى أَنْ تموتَ أَسى

تدورُ في الحيِّ
 تسعى
 في أزقَّتِهِ
لعلَّ كسرةَ خبزٍ عافها البُخَسا

لعلَّ 
كسرةَ خبزٍ 
تُنقذُ امرآةً
جارَ الزمانُ على أَولادِها وقسا

حزينةٌ وحدها
في الدَّار
تسألُنِي
كيف اختفى الأهل والأحباب والجلسا؟

كُـنَّـا معاً 
تعرفُ الأيامُ
ضحكتَنا
نَضِلُّ حيناً وحيناً نَهتدي بعسى

نبكي 
على قِطعةِ الحلوى
إذا سقطتْ
سهواً ونَضْحكُ إِنْ هَبَّ النسيمُ مسا

نُوزِّعُ الوردَ
للأطفال
في دَعَةٍ
ونَقطِفُ الفلَّ والرَّيحانَ للتُّعسا

==================

هنا فتح شاعرنا كل الاتجاهات و فتح معها عقولنا للستفهام و ربما للاستعجام 
خلفي امامي ازائي 
كلنا يتلفت معه يبحث حوله 
ماذا يريد 
ماذا يرى 
لتأتي الحقيقة الصادمة والتي نعلمها لكن ربما نتجاهلها و نغمض أعيننا عنها فكل ينادي " لا ألهينك إني عنك مشغول "
تأتي هذه الحقيقة فتخرجنا من الشغل و توقفنا امام أنفسنا 
" كلهم بؤسا "
و كلهم بلا اسنثناء 
لأن القلة المترفة في الوزن النسبي للكثرة البائسة لا وزن لها
بعد هذه التقدمة و الرؤية الواضحة و الحقيقة الفاضحة 
يأتي السؤال المنطقي و الصاعق لمن كان له قلب أو القى السمع و هو شهيد
" فكيف أمتدح الطاغين والرؤسا "
و هو توبيخ لغيره من المادحين الذين تدلت ألسنتهم تلهث بمدح الزعماء بل ربما يتجاوزون المدح للتقديس و يتبارون لدفع الشبهة عن ضعفهم و لهاثهم بذم المخالفين و تخوينهم

خلفي,
أمامي,
إزائي,
كلُّهم بُؤَسا
فكيفَ أَمْتدحُ الطَّاغينَ والرُّؤَسا
*********************

الصورة في ظاهرها بسيطة لكنها عميقة الأثر 
"من قبل اسبوع أمي لم تجد حطبا"

فهذه الأم البسيطة التي لا يشغلها حسابات الطغاة و الزعماء و تناحرهم فكل ما يشغلها اطعام اولادها فهذه مملكتها الحصينة و التي لا سواها و لا تطمع بغيرها 
يؤرقها و ياكل قلبها أن تمس هذه المملكة 
لذا فإنها إن لم تجد الحطب الذي تطهو به طعام اولادها 
بحق قد تموت أسى 
فقولة شاعرنا " أخشى عليها أن تموت أسى "
هو لم يتجاوز الحقيقة لكنه صاغها بعبارة بسيطة رشيقة

مِنْ قبلِ أسبوع 
أُمِّي لمْ تجدْ 
حطباً
لتُوقدَ النارَ أَخشى أَنْ تموتَ أَسى
**********************
و هنا ينقلنا شاعرنا للوحة الثانية لهذه الأم المسكينة الوالهة
و هي مملكتها تكاد تتهاوى امام عينيها فهل تقف لتنظر اليها 
لا
بل تدور في الحي تسعى في أزقته
يذكرني هذا المشهد المهيب 
بمشهد أمنا هاجر أم اسماعيل عليه السلام 
فهي بأرض غير ذي زرع 
و ليس امامها سوى الجبلين فتصعد هذا و تنزل لتصعد ذاك بحثا عن قطرة ماء لابنها الرضيع 
و هذا شأن الأم الحانية 
فلا غرو إن أن تدور في الحي و لا غرابة أن تسعى في الأزقة 
لماذا 
لعل كسرة خبزا عافها البخسا

ولعل 
باب الامل 

أعلل النفس بالأمال أرقبها 
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

و ليست اي كسرة 
بل هي كسرة عافها البخسا 
و هنا يلمح لنا شاعرنا بأمرين
بمدى حاجتها
و بمدى ظلم هؤلاء 
فحتى كسرة الخبز التي عافها البخسا لم يكلفوا أنفسهم عناء إيصالها لأم محتاجة فيالهم من قساة غلاظ

تدورُ في الحيِّ
 تسعى
 في أزقَّتِهِ
لعلَّ كسرةَ خبزٍ عافها البُخَسا
********************
يركز شاعرنا على 
لعل كسرة خبز 
و كأنها محور القصيدة 
فالمسكين ذي المسغبة ليس بطامع بملك و لا عروش و لا تباه و لا تعال
كل ما يشغلهم هو تلك القطعة من الخبز 
و هؤلاء الطغاة يعرفون هذا فيمعنون في إشغالهم لتبقى لهم عروشهم و كروشهم

لعل كسرة خبز تنقذ امرأة 
جار الزمان على أولادها و قسا

برغم ان الشطر الاول يتحدث عن انقاذ الأم 
إلا ان الشطر الثاني يتحدث عن الجور و القسوة من الغلاظ على اولادها 
ففي إنقاذهم 
إنقاذ لها 

لعلَّ 
كسرةَ خبزٍ 
تُنقذُ امرآةً
جارَ الزمانُ على أَولادِها وقسا
*********************

ثم ينقلنا للوحة أخرى من داخل هذا البيت البائس 
اول مشهد في اللوحة 
أم حزينة 
أني أراها 
في ركن البيت مغضنة الإهاب كسيرة الفؤاد 
ثم تتسع رقعة الصورة فيتبين لنا انها في ذلك الركن وحدها وهمها
و هي في حيرتها تسأل ابنها في تعجب و استغراب 
كيف احتفى الاهل و الاحباب و الجلسا
الم نتشارك أفراحنا و اتراحنا معا
الم نكن يدا واحدة امام صروف الدهر و حوادث الزمان 
كيف انقسمنا و تشاغل كل بنفسه
 و هنا إلماح لقول الحق جل و علا:
و أن هذه أمتكم أمة واحدة 
كيف تقسمت لدويلات 
ثم لعائلات 
ثم لبيوت فلا يرى أحد أحدا
سؤال موجع حقا
و الاوجع منه 
أننا سنسأل عنهم في قوله تعالى
و قفوهم إنهم مسئولون 

حزينةٌ وحدها
في الدَّار
تسألُنِي
كيف اختفى الأهل والأحباب والجلسا؟
********************

ثم يكمل لوحاته بالتذكر
يذكرني بقول محمود غنيم رحمه الله:
إني تذكرت و الذكرى مؤرقة 
ماض تليدا بأيدينا أضعناه

و إن اختلف موضوعا القصيدتين فقد اتحدا بأننا أمة لها ماض تليد 
كنا نقري الضيف نغيث الملهوف 
كان هدينا :
" و الله لا يؤمن و الله لا يؤمن و الله لا يؤمن من بات شابعا و جاره جائع و هو يعلم " 

من هنا جاء التذكر 
الشبيه بالاستفهام الاستنكاري
كيف يحدث هذا 
ألم نكن معا
ألم تعرف الايام ضحكتنا
نضل حينا 
ليس الضلال عن الحق هو المقصود هنا 
و لكنه الذهاب في غيابة التيه المضروب على الناس من البؤس 
ثم نعلل النفس بعسى فتخرجنا من غيابة التيه بعسى 
بالأمل

كُـنَّـا معاً 
تعرفُ الأيامُ
ضحكتَنا
نَضِلُّ حيناً وحيناً نَهتدي بعسى
*********************

و هنا لوحة اخرى لبساطة الحياة و هؤلاء البسطاء

نبكي على قطعة الحلوى إذا سقطت 
الصورة تنبؤ عن نفسها فلا تحتاج لكثير شرح و تحليل 
فقطعة الحلو التي قد يلقيها المترفون من فائض الولائم للقمامة 
تبكي هؤلاء إذا سقطت سهوا مع حرصهم الشديد عليها لذا فهم يبكون عليها
لندرتها و لبساطتهم

و نضحك اذا هب النسيم مسا
فهي البساطة عمدة المشهد في الحالين 
حال البكاء و حال الضحك

نبكي 
على قِطعةِ الحلوى
إذا سقطتْ
سهواً ونَضْحكُ إِنْ هَبَّ النسيمُ مسا
***********************

و تأتي اللوحة الاخيرة 
لهؤلاء الأوفياء
فكل همهم اشاعة البهجة و روح السرور بين الناس 
فيوزعون الورد للأطفال في هدوء و راحة استرضاء لنفوسهم النقية البريئة 
و نقطف الفل و الريحان للتعسا
حتى هؤلاء لم ينسوهم 
بل يخففون من هموهم بالفل و الريحان 
قدر طاقتهم يفعلون 
هذه قلوب الطيبين التي لا تعرف الحقد و الحسد و التشاجر لدنيا زائلة

شاعرنا عرض جانبا واحدا من الصورة و لكن هذا الجانب الواحد أوضح بجلاء لا يخفى على ذي لب الصورة كاملة 
فكما قيل :
و بضدها تتبين الاشياء 
يذكرني بالقول المشهور لدوقلة المنبجي 
و لقد قرأته أيضا في ديوان علي بن جبلة :
فالوجه مثل الصبح مبيض
و الشعر مثل الليل مسود

ضدان لما استجمعا حسنا
و الضد يظهر حسنه الضد

نُوزِّعُ الوردَ
للأطفال
في دَعَةٍ
ونَقطِفُ الفلَّ والرَّيحانَ للتُّعسا
==================
القصيدة مفعمة بالعاطفة الصادقة الصارخة في كل التفاتة و كل همسة و لفظة تم توظيفها بشكل جيد 
بعيدا عن التهويم و الغموض و اقرب للوضوح فالمقام هنا لا يحتمل الفلسفة الزائدة 
بل البساطة اغنته كل الغناء 

فهو بين الشكوى و الشجن الصادق فلا يليق به الا الصدق و الوضوح في المكاشفة 
و اعتمد شاعرنا التنامي الدرامي لقصته منذ ابتداء القصيدة لاختتامها 

و قد أخذنا هذا التنامي الدرامي بين تلك اللوحات التي أخذتنا لأتيليه فاخر و معرض ذاخر من الصور و اللوحات  
و التي تمثل كل منها مشهدا آسرا و تمثل في مجموعها
لوحة كلية لمأساة شاعرنا الذي ابدع في رسمها بكل شفافية و بكل الظلال الموحية 
و اختيار تفعيلات البسيط الهادئة الموسيقى لتصاحب هذا المعرض من اللوحات 
كان اختيارا موفقا فهي تؤنس المار في ردهات المعرض و لا تشغله عن لوحاته و ظلاله

وللحق أي قراءة قد تظلم القصيدة أو تظلم القارئ لها
لان شاعرنا رسم الزخم الشعوري في لوحات  فائقة الجمال فما تركت مجالا لغيرها فقد أجاد في وصف المشاعر في النص  
وقد كثف الكلمات 
بلغة أغنته عن كل شرح وتحليل

فإن كان من توفيق فمن الله
و إن كان من تقصير فلا أعدو بشريتي.
فليعذرني الشاعر والقارئ

وإلى لقاء في الاسبوع القادم و قصيدة قادمة
في
برنامجكم
قراءة شاعرة
محبكم : عارف عاصي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة