# أنا تَئِقُ و أنتَ مَئِقُ ..فكيفَ نَتّفِقُ ؟!
مِن حين إلى آخر تَرِدُ إليّ رسائلُ من إخوان و أخوات تتضمّن شكاوى من عَنْجَهيّة و استعلاء بعض أدعياء الأدب شِعرًا و نثرا ؛ من ذلك قول أحدهم :" إن شعراء هذا الزّمن تراب تحت حذائي .."و قول آخر : "أنا شاعرُ كلّ العصور ،و لا أحد أشعر منّي" ، و قول ثالث : "هم أشبه بالمتسوّلين " - أي الشّعراء- ...
الحقّ و الحقّ أقول: لا أندهش من هذه الفصائل من أشباه المثقّفين ،بقدر ما أندهش من هؤلاء الذين يحومون حولهم ،لعلّهم يحظون بتعقيب فيه ثناء ،او تسجيل صوتيّ ،أو مشاركة في مشروع فاشل أساسا ...و لا يحظون إلّا ببصمة أصبع ، و يعودون دوما بخفّي حُنين.
هذا " الطّابو" مسكوتُ عنه ،و رغم تذمًر الكثير ، و تأفّفهم منه ،إلّا أنّه ما مِن أحَدٍ من شعرائنا الحقيقيّين المحترَمين طَرَق هذا الباب ،ربّما حَياءً أو خوفًا أو كَظْمَ غيْظٍ...
لو كانَ رَصُّ حُروفٍ في مُعارَضَةٍ
و ضَبْطُ وَزْنٍ بِلا فَحْوَى و لا أثَرِ
أو كانَ حَشْوُ المَعانِي دُونَ مَغْنَمَةٍ
و لُعْبَةُ المُنْتَشِي بِالضِّوْءِ و الصُّوَرِ
شِعْرًا ،لَأَحْرَقْتُ أوْراقِي و محْبَرَتي
و تُبْتُ فوْرًا مِنَ الأشْعارِ و الدُّرَرِ
سَيَخْتَفي زَبَدًا مَنْ ظَنَّ قارِبَِهُ
جَدْفًا سَيُنْجِيهِ مِنْ كِبْرٍ و مِنْ غَرَرِ
اَلشّعْرُ ما كانَ أوْزَانًا و زَخْرفَةً
ما كانَ يَوْمًا أَلَاعِيبًا على وَتَرِ
ما كانَ رَصْفَ قَوافٍ لَيْلَ ثَرْثَرَةٍ
و لا جِدارِيَةً في بَيْتِ مُفْتَخِرِ
و مَنْ يَرَ الشُّعَرَا طِينًا بَجَزْمَتِهِ
وَ يُظْهِرِ الحُبَّ أَفَّاكًا كَمُحْتَقَرِ
تَلْعَنْهُ أَحْرُفُهُ مَهْمَا بَدَا لَبِقًا
و يَنْفَضِحْ سِرُّهُ لَوْ ظَلَّ في الحُفَرِ
و يَبْقَ بَعْدَ انْطِفاءِ الضَّوْءِ مُعْتَزِلًا
نُورَ الحَيَا كالّذي يَخْشَى مِنَ الشَّرَرِ
قَدْ يَجْمَعُ الصَّحْبَ أرْقامًا بِخُرْدَتِهِ
وَ لا تَحُومُ على عَظْمٍ سِوى الهِررِ !
يَظَلُّ مُنْتَفِخًا و الكِبْرُ يَخْدَعُهُ
لا يَقْرَبُ الصًَقْرُ ذِئْبًا أَسْفَلَ الشَّجَرِ !
يُحِبُّنا النّاسُ كَوْنَ الشِّعْرِ مَلْجَأَهُمْ
و يَحْتَفِي مَعَنا العُشّاقُ بِالقَمَرِ
يُحِبُّنا مَنْ يَئِنُّ اللَّيْلَ في وجَعٍ
لِيَسْتَفيقَ على صُبْحٍ بِلا كَدَرِ !
يُحِبُّنا كاتِبٌ يَزْهُو بِمَوهِبةٍ
يُريدُ مَنّا يَدًا تَسْقيهِ بِالمَطَرِ
تُحِبُّنا طِفْلَةٌ تَشْتاقُ والِدِةً
راحَتْ و قَدٔ تَرَكَتْ عَيْنًا بلا بَصَرِ !
يُحِبُّنا ثَائِرٌ يُشْوَى بِمُعْتَقَلٍ
كَمْ خانَهُ عابِدُ الرَّقْصاتِ و السَّمَرِ !
و في القَلْبِ حُبٌّ كَبيرٌ مِنْ دَكاتِرِةٍ
تَواضَعُوا حِينَ ذاقُوا أَرْوَعَ الثَّمَرِ !
تُحِبُّنا عَانِسٌ مِرْآتُها انْكَسَرَتْ
فَتَمْشطُ الشَّعْرَ بِالأَشْعارِ في سَهَرِ
و لا تَسَلْ عنْ فَقيرٍ ذابَ مِنْ عَوَزٍ
يُحِبُّنَا رَغْمَ ما يَلْقَى مِنَ البَشَرِ !
و مَنْ يَضيقُ بِأسْطارٍ مُقَلَّدَةٍ
يُحِبُّ ما عِنْدَنا مِنْ شَدْوِ مُبْتَكِرِ
يُحِبُّنا وَطَنٌ نَقْتاتُ كِسْرَتَهُ
و رَغْمَ نُكْرانِنَا يَسْخُو كَمُنْهَمِرِ!
و يَمْقُتُ النّاسُ مَنٔ يَنْفِي فَضائِلَهُمْ
و لا يَرَى لَهُمُو خَطًّا على أَثَرِ
و يَكْرَهُ النّاسُ مُخْتالًا و مُفْتَخِرًا
حتّى و إنْ وَرَدَتْ ذِكْراهُ في الزُّبُرِ !
نَعَمْ..نَعَمْ ..لا يشُمُّ النّاسُ في وَرَقٍ
رَوائِحَ المُنْتَشَى مِن فَرْطِ مُزْدَجرِ
وَ لا يُحِبُّونَ لَأْلاءً بِهَرْطَقِةٍ
شَتّانَ بَيْنَ سَبيكِ المَاسِ و الحَجَرِ !
فَقُمْ تِوَضَّأْ بِأخْلاقٍ و مَعْرفةٍ
و اكْسِرْ جَناحَ غُرُورٍ فيكَ ،تَنْتَصِرِ !
و عُدْ إلى صُحْبَةِ الأخْيارِ في أدَبٍ
و لازِمِ الجَمْعَ كَالأَطْيارِ في زُمَرِ !
و انْظُرْ قليلًا إلى الإنسانِ مَنْبَتِهِ
فَالطّينُ طينٌ و لَنْ يبقَى سِوَى الأثَرِ !
شاعر البيضاء نورالدين العدوالي/ عين البيضاء/ الجزائر
30 مارس 2020 م الموافق 06 شعبان 1441 هج

تعليقات
إرسال تعليق